أحمد بن محمد المقري التلمساني

16

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

منه أن يكون مرتسما في جملة كتاب بابه ، فامتنع ، وقال : لا أكون تحت حكم غيري ، وعنى بذلك أن أباه كان رئيس الكتّاب ، فكيف يكون هو مرءوسا بغيره ؟ فلم ترض همّته ، رحمه اللّه تعالى ، إلّا برتبة أبيه أو الترك ، وارتحل أبو سعيد محمد المذكور ، وكان فقيها عالما ، من فاس لسبتة إلى أن توفي بها سنة 887 « 1 » ، وكان قليل الكلام ، جميل الرّواء « 2 » ، حسن الهيئة والبزة والشكل ، روى عن والده وعن الحجار وكتب له سنة 724 ، وروى عن الفقيه أبي الحسن بن سليمان والرحالة ابن جابر الوادي آشي وابن رشيد وغيرهم . وابن أبي سعيد هذا اسمه عبد المهيمن كجدّه ، وكان صاحب القلم الأعلى ، روى عن أبيه وجدّه وغيرهما ، رحم اللّه الجميع . [ ومن أشياخ لسان الدين قاضي الجماعة أبو البركات محمد بن محمد بن الحاج البلفيقي ] ومن أشياخ لسان الدين رحمه اللّه تعالى الإمام العلامة قاضي الجماعة أبو البركات بن الحاج البلّفيقي : نادرة الزمان ، وشاعر ذلك الأوان ، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن الشيخ الولي أبي إسحاق بن الحاج البلّفيقي ، وكان أبو البركات أحد رجال الكمال علما ومجدا وسؤددا موروثا ومكتسبا ، وقد عرف به في « الإحاطة » بترجمة مدّ فيها النفس ، وكتب ابنه على أول الترجمة ما صورته : رحمك اللّه تعالى يا فقيه الأندلس ، وحسيبها ، وصدرها ، وشيخها ، وبرّد ضريحك ، فللّه ما أفدت من نادرة ، وأكسبت من فائدة ، انتهى . وحكي في « الإحاطة » « 3 » أنه لما استسقى وحصلت الإجابة أنشده لسان الدين : [ الكامل ] ظمئت إلى السّقيا الأباطح والرّبا * حتى دعونا العام عاما مجدبا « 4 » والغيث مسدول الحجاب ، وإنما * علم الغمام قدومكم فتأدّبا ثم ذكر في « الإحاطة » تأليف أبي البركات وشعره ، إلى أن قال حاكيا عن أبي البركات ما صورته : وممّا نظمته وقد أكثروا من التعجّب لملازمتي البناء وحفر الآبار : [ الخفيف ] في احتفار الأساس والآبار * وانتقال التراب والجيّار وقعودي ما بين رمل وآجر * وجصّ والطوب والأحجار

--> ( 1 ) في ب « سنة 787 » . ( 2 ) الرواء - بضم الراء - المنظر . ( 3 ) انظر الإحاطة ج 2 ص 103 . ( 4 ) الأباطح : جمع بطحاء ، وهي مكان متسع يسيل فيه الماء فيخلف فيه التراب والحصى الصغار .